Studi Qur’an

الأحرف السبعة ومفهومها من المنظور الاجتماعي اللغوي

إعداد سوكامتو سعيد


تمهيد:

لقد طال الكلام عن نزول القرآن على سبعة أحرف، إلا أن الذي يثير اهتمامي ماقاله بلاشير كما نقله عبد الصبور شاهين :” بالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن هو المهم، وإنما روحه. من هنا ظل اختيار الوجه (الحرف) في القراءات التي تقوم على الترادف المحض أمر لا بأس به ولا يثير الاهتمام.”[1] من هنا نستخلص- مما قاله – أن الرواية بالمعنى في القرآن الكريم لا بأس به.

قد يتبادر إلى الذهن أن ما قاله على أساس من الصحة بناء على ورود الأحاديث المتعلقة بإنزال القرآن على سبعة أحرف وكثرة التفسيرات حول المراد بها التي من شأنها أن يستنتجها بعض الناس بجواز رواية القرآن بالمعنى، غير أن المسألة الآن : هل أفادت أحاديث  إنزال القرآن على سبعة أحرف أن الرواية بالمعنى في القرآن الكريم  لا بأس به؟ إذا كان كذلك، فإلى أي مدى دقة الروايات القرآنية من جيل إلى آخر من عهد رسول الله صلى الله هليه وسلم إلى يومنا هذا، وبعبارة أخرى، ما معنى رواية القرآن بالتواتر؟ وإلاّ، فما ذا يعني إنزال القرآن على سبعة أحرف؟ وما هي الخلفيات الاجتماعية واللغوية التي يمكن فهمها من خلال ظاهرة إنزال القرآن على سبعة أحرف؟ وما هي المحاولات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لحفظ القرآن من التحريف؟

من الثابت تاريخيا أن جمع القرآن أوروايته جاء من طريقين:1)طريق المشافهة والحفظ، 2)طريق الكتابة. وهناك ثلاث مراحل أساسية لجمع القرآن يمكن ذكرها فيما يلي:

المرحلة الأولى: الجمع الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت همته بادئ ذي بدء منصرفة إلى أن يحفظه ويستظهره ثم يقرأه على الناس ليحفظوه ويستظهروه، خصوصا لأنه أمي ومن شأن الأمي أن يعتمد على حافظته فيما يهمه أمره، لا سيما أنه أوتي من قوة الحفظ ما ييسر له هذا الجمع. وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن متمتعة بخصائص العروبة التي منها سرعة الحفظ.[2]

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن عن ظهر قلب لا يفتر لا سيما في الليل، حتى إنه ليقرأ في الركعة الواحدة العدد من السور الطوال. ولزيادة التثبيت كان جبريل يعارضه بالقرآن كذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن.. وقال أبو هريرة: كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه[3] أما حفظ الصحابة للقرآن الكريم فقد توفرت للصحابة العوامل التي تجعلهم قادرين على حفظ القرآن وتسهل عليهم هذه المهمة ومن تلك العوامل :

1-قوة ذاكرتهم الفذة التي عرفوا بها واشتهروا، حتى كان الواحد منهم يحفظ القصيدة من الشعر بالسمعة الواحدة.

2-نزول القرآن منجماً.

3- لزوم قراءة شيء من القرآن في الصلاة.

4-وجوب العمل بالقرآن، فقد كان هو ينبوع عقيدتهم وعبادتهم، ووعظهم وتذكيرهم.

5- حض النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن، والترغيب بما أعد للقارىء من الثواب والأجر العظيم.

6- تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بتعليم القرآن: فكان الصحابة تلامذة للنبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون منه القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شيخهم، يتعاهدهم بتعليم القرآن، فإذا أسلم أهل أفق أو قبيلة أرسل إليهم من القراء من يعلمهم القرآن، وإن كان في المدينة ضمه إلى حلق التعليم في جامعة القرآن النبوية.

لقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة جداً، فكان كلما نزل عليه شيء منه دعا الكُتّاب[4] – منهم: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان- فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل: الرقاع، اللخاف، والأكتاف، والعسب . وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم جهد هؤلاء الكتاب في كتابة القرآن فمنع من كتابة غيره إلا في ظروف خاصة أو لبعض أناس مخصوصين. فتحقق بذلك توفر طاقة كبيرة لكتابة القرآن وترتيبه، كما أخرج الحاكم عن أنس رضي الله عنه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن في الرَّقاع… ومقصود هذا الحديث فيما يظهر أن المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم .

المرحلة الثانية: الجمع الثاني في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه

عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر، مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال : إن القتل قد استحر بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر : كيف تفعل شيئاَ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتّبع القرآن فأجمعه – فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن- قلت كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال: والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر.[5]

فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب و اللِّخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، ولم أجدها مع غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ…} [التوبة: 128- 129]. حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم.[6] وبهذا جمعت نسخة المصحف بأدق توثق ومحافظة، وأودعت لدى الخليفة لتكون إماماً تواجه الأمة به ما يحدث في المستقبل، ولم يبق الأمر موكلاً إلى النسخ التي بين أيدي كَتّاب الوحي، أو إلى حفظ الحفاظ وحدهم.

وقد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم والمسلمون كلهم من بعده، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة عظيمة من مناقبه وفضائله. وحسبنا في ذلك ما ثبت عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.

منهج زيد بن ثابت في جمع القرآن:

تتبع زيد في جمع القرآن من العُسُب و اللَّخاف وصدور الرجال، فكان منهجه أن يسمع من الرجال ثم يعرض ما سمعه على ما كان مجموعاً في العُسُب والأكتاف، فكان رضي الله عنه لا يكتفي بالسماع فقط دون الرجوع إلى الكتابة، وكذلك من منهجه في جمع القرآن أنه لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد عليه شاهدان، وهذا زيادة في التحفظ، مع أن زيداً كان من حفظة القرآن . وبهذا التثبت والتحفظ تم جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.

المرحلة الثالثة: الجمع الثالث في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه[7]

عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة رضي الله عنهم في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وأمور الدين وكان كل صحابي يُعلَّمُ بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة فكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهلُ الشام فيُكفر بعضهم بعضاً .

وعندما اتجه جيش المسلمين لفتح (أرمينيه) و(اذربيجان) وكان الجنود من أهل العراق وأهل الشام فكان الشقاق والنـزاع يقع بينهم ورأى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلافهم في القراءة وبعض ذلك مشوب باللحن مع إلف كل منهم لقراءته واعتياده عليها واعتقاده أنها الصواب وما عداها تحريف وضلال حتى كفر بعضهم بعضاً فأفزع هذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال والله لأركبن إلى أمير المؤمنين (يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه ) وكان عثمان قد رأى نحو هذا في المدينة فقد كان المُعلم يُعلم بقراءة والمعلم الآخر يعلم بقراءة فجعل الصبيان يلتقون فينكر بعضهم قراءة الآخر فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فقام خطيباً وقال : ( أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافاً وأشد لحناً ، اجتمعوا يا أصحاب محمد ، واكتبوا للناس إماما.

فلمّا جاء حذيفة إلى عثمان رضي الله عنهما وأخبره بما تحقق عند عثمان ما توقعه ، وقد روى البخاري في صحيحه قصة ذلك الجمع في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يُغازي أهل الشام في فتح (أرمينيه) و(أذربيجان) مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان .

لما سمع عثمان رضي الله عنه ما سمع وأخبره حذيفة رضي الله عنه بما رأى استشار الصحابة فيما يفعل ، فقد روى إبن أبي داود بإسناد صحيح – كما يقول ابن حجر – من طريق سويد بن غفلة قال، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف .. فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا جميعا ، قال ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد أن يكون كفراً ، قلنا : فما ترى ؟ قال : نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف . قلنا : فنعم ما رأيت[8] . قال علي : والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل[9] . وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن ما صنعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة
اللجنة المختارة :
اختار عثمان رضي الله عنه أربعة لنسخ المصاحف هم :
زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام ، وهؤلاء الثلاثة من قريش .
فقد سأل عثمان رضي الله عنه الصحابة : من أكتب الناس ؟ قالوا : كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت قال : فأي الناس أعرب ؟ وفي رواية أفصح . قالوا : سعيد بن العاص ، قال عثمان : فليُمل سعيد ، وليكتب زيد .
المنهج في هذا الجمع :
بعد أن اتفق عثمان مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين على جمع القرآن على حرف سلك منهجاً فريداً وطريقاً سليماً أجمعت الأمة على سلامته ودقته .
1 – فبدأ عثمان رضي الله عنه بأن خطب في الناس فقال : ( أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون (قراءة أبي) (قراءة عبد الله ) يقول الرجل ( والله ما تقيم قراءتك ) !! فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به ، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً فناشدهم ، لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك ؟ فيقول نعم .
2 – وأرسل عثمان رضي الله عنه إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نعيدها إليك ، فأرسلت بها إليه ، ومن المعلوم أن هذه الصحف هي التي جمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على أدق وجوه البحث والتحري .
3 -ثم دفع ذلك إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة وأمرهم بنسخ مصاحف منها وقال عثمان القرشيين : ( إ ذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم.
4 – إذا تواتر في آية أكثر من قراءة تكتب الآية خالية من أيّة علامة تقصُر النطق بها على قراءة واحدة فتكتب برسم واحد يحتمل القراءتين أو القراءات فيها جميعاً مثل :
أ. { فتبينوا} التي قرأت أيضاً فتثبتوا .
ب. { ننشزها} قُرأت أيضاً ننشرها .
أما إذا لم يكن رسمها بحيث تحتمل القراءات فيها فتكتب في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة ، وفي مصاحف أخرى برسم يدل على القراءة الأخرى مثل :
أ . { ووصى بها إبراهيم} هكذا تكتب في بعض المصاحف وفي بعضها وأوصى .
ب . { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} بواو قبل السين في بعض المصاحف وفي بعضها بحذف الواو .
وبعد الفراغ من نسخ المصاحف بعث عثمان بنسخ منها إلى الأمصار الإسلامية حيث نشط المسلمون في نسخ مصاحف منها للأفراد وكان زيد بن ثابت في المدينة يتفرغ في رمضان من كل سنة لعرض المصاحف فيعرضون مصاحفهم عليه وبين يديه مصحف أهل المدينة .
مزايا جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه :
تميز هذا الجمع بمزايا عديدة منها :
1 – الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة ، قال ابن القيم رحمه الله : ( جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة بها لما كان ذلك مصلحة.
2 – إهمال ما نسخت تلاوته :
فقد كان قصد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أُثْبِتَ مع تنـزيل ، ولا منسوخ تلاوته كُتب مع مُثبتٍ رسمه ، ومفروض قراءته وحفظه ، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعده .
3. – الاقتصار على ما ثبت في العرضة الأخيرة وإهمال ما عداه :
فقد روى ابن أبي داود في المصاحف عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال : لمّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلاً من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت قال فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجئ بها ، قال وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارأو في شيء أخروه ، قال محمد : فقلت لكثير وكان منهم فيمن يكتب : هل تدرون لم كانوا يؤخرونه ؟ قال : لا ، قال محمد : فظننت ظناً إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله .
4 – الاقتصار على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما لم يثبت .
5 – كان مرتب الآيات والسور على الموجه المعروف الآن ، قال الحاكم في المستدرك : ( إن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة ، فقد جُمع بعضه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق ، والجمع الثالث هو في ترتيب السور وكان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين[10] .

والفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته. أما جمع عثمان فلكثرة الاختلاف في وجوه القراءة حيث أدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض.[11]

بين سبعة أحرف ورواية القرآن بالمعنى

والقرآن إنما سمي قرآنا – عند بعض العلما- لأنه قرأه الناس، من قرأ يقرأ قرآنا على وزن فُعْلان مثل غُفْران، كما سمي كتابا لأنه يكتب، من كتب يكتب كتابة وكتابا. فالقرآن محفوظ من جهتين: جهة اللفظ بطريق المشافهة والحفظ عن ظهر القلب (قراءة)، وجهة الكتابة. والمسألة أن هناك روايات من الأحاديث النبوية تفيد بإنزال القرآن على سبعة أحرف بحيث يمكن فهمها إباحة رواية القرآن بالمعنى.فما هي الأحرف السبعة؟

الحرف في أصل كلام العرب معناه الطرف والجانب، وحرف السفينة والجبل جانبهما.ويصدق لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة.[12] واصطلاحاً: الأحرف السبعة: سبعة أوجه فصيحة من اللغات والقراءات أنزل عليها القرآن الكريم[13].

ذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة بإستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه إلى سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لغات العرب ، فَتَكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، نذكر نموذجاً عن كل منهما فيما يلي:
المذهب الأول: مذهب استقراء أوجه الخلاف في لغات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها، وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الرازي، حيث قال: … إن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف.
أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحدة،والتثنية، والجموع، والتذكير، والمبالغة. ومن أمثلته: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، وقرئ. {لأَمَانَتِهِمْ} بالإفراد.
ثانيها: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل، والأمر ، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل، والمفعول به. ومن أمثلته: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] بصيغة الدعاء، وقرئ: {رَبَّنَا بَاعَدَ} فعلا ماضيا.
ثالثها: وجوه الإعراب. ومن أمثلته: {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] قرئ بفتح الراء وضمها. وقوله {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15] برفع {الْمَجِيدُ} وجره.
رابعها: الزيارة والنقص، مثل: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [الليل: 3] قرىء {الذَّكَرَ وَالأُنْثَى}.
خامسها: التقديم والتأخير، مثل،{فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] وقرئ: {فَيُقْتَلونَ ويَقْتُلُون} ومثل: {وجاءت سكرة الموت بالحق}، قرئ: {وجاءت سكرة الحق بالموت}.
سادسها: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر، مثل: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا}

[ البقرة: 259] بالزاي، وقرئ: {ننشرها} بالراء.
سابعها: اختلاف اللغات: مثل {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15] بالفتح و الإمالة في: {أتى} و {موسى} وغير ذلك من ترقيق وتفخيم وإدغام وإظهار.[14]
فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشاهيرها ومناسيخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه من هذه الأجناس السبعة المتنوعة.
المذهب الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة لغات من لغات قبائل العرب الفصيحة.[15]
وذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة ، فأنزل القرآن على سبع لغات مراعيا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب،فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللغات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلا بلسان قريش والعرب.

فهذان المذهبان أقوى ما قيل، وأرجح ما قيل في بيان المراد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم.

ولما كان سبيل معرفة هذا الموضوع هو النقل الثابت الصحيح عن الذي لا ينطق عن الهوى، نقدم ما يوضح المراد من الأحرف السبعة:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكِدت أساوِره في الصلاة ، فتصَّبرت حتى سلّم ، فلَبَّبْتُهُ بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنِيْها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: كذبت، أقرانيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرئها، فقال: ” أرسله، اقرأ يا هشام”، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كذلك أنزلت ” ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اقرأ يا عمر “، فقرأت التي أقرأني. فقال:”كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه “.[16]

يدل هذا الحديث على تنوع بعض القراءات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما يدل على مدى حماس الصحابة في الدفاع عن القرآن مستبسلين في المحافظة عليه،و كيف كانوا متحمسين لذلك و كيف كانوا في منتهى التيقظ لكل من يحدث فيه حدثًا، ولو كان عن طريق الأداء واللهجات. وموقف عمر من هشام بن حكيم خير دليل على هذا. فليس هناك ما يدل على جواز رواية القرآن بالمعنى وإنما يدل على مدى تمسك عمر بالقراءة التي تلقاها. كما أفادت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون فيما يقرءون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان المخالف في القراءة لصاحبه الذي ينتقده يقول: “أقرأنيها رسول الله”. وبهذا يظهر أن هذه القراءات مأخوذة عن طريق النقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم . فالقراءة بأي حرف من الحروف السبعة  إنما كانت في حدود ما نزل  به جبريل وما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يسمع قراءة المعترض عليه والمعترض يقول: “هكذا أنزلت.

روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاءة بني غفار. قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: “أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: ” إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: ” أسأل الله  معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: “إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: ” إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف: فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا.[17]

تكفينا هذه الأحاديث للقول بصحة قضية إنزال القرآن على سبعة أحرف علما بأن عدد الصحابة الذين ورد ذكرهم في الروايات أربعة وعشرون صحابيا. حتى قال السيوطي :” قد نص أبو عبيدة على تواتره”، وقد دلت على ذلك أن عدد الأسانيد التي ورد الحديث من طريقها -كما قال عبد الصبور شاهين- ستة وأربعون سندا، وليس بين هذه الأسانيد الكثيرة سوى ثمانية أسانيد ضعيفة. والباقي وعدده ثمانية وثلاثون سندا صحيح لا مطعن فيه من الجهة النقدية. كما أن الأسانيد جميعها متصلة، ما خلا أربعة انقطع فيها السند وإن صحت روايتها عن أصحابها.[18]

الخلفيات الاجتماعية واللغوية المحيطة بنزول القرآن على سبعة أحرف

ومما يجدر بنا للانتباه في الحديث المذكور أعلاه ذكر أضاءة بني غفار -وهو مكان مستنقع كالغدير منسوب إلى بني غفار، لأنهم نزلوا عنده- موضع بالمدينة النبوية[19]. هذا يدل على أن زمن التصريح بقراءة القرآن على سبعة أحرف لم يكن خلال الفترة المكية، وإنما خلال الفترة المدنية. يمكننا أن نفهم هذه الظاهرة حيث إن المسلمين في مكة أغلبهم من قريش، وعددهم محدود، واتصالهم بالنبي صلى الله عليه وسلم دائم، فهم – من طبيعة الأمر- قادرون على حفظ القرآن وتلاوته صحيحا سالما من الغلط والتحريف. من هنا لم تنشأ اختلافات في النص القرآني. فحين هاجر النبي وصحابته إلى المدينة تغيرت الحال. فمن حيث الكم زاد عدد المؤمنين بالدعوة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأتيح للدعوة فيها أن تراسل الأقوام والقبائل في شتى أنحاء الجزيرة العربية وخارجها، وجاءت الوفود تترى ممثلة لمختلف الألسنة واللهجات. وكذلك تتفاوت أعمار المؤمنين: أكثرهم من الكبار الذين فاتهم عهد التعلم والحفظ، فأصبح من العسير أن يداوموا على استظهار القرآن. بالإضافة إلى ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم مشغول بمسؤوليات هائلة في التوجيه والتنظيم والحكم والدعوة وتقرير النظم والعقائد والفتوى ومراسلة الملوك والشعوب. كل هذه ظروف جدت في المجتمع، وأحاطت بالنبي وصحابته واقتضت سن الرخصة في تلاوة القرآن. هذه الرخصة – بطبيعة الأمر- موقوتة ببقاء مقتضياتها، زائلة بزوالها أي بعودة الحياة إلى مستوى من الاستقرار والتجانس قريب من مستوى العهد المكي. وهذا لم يحدث بعد إلا في عهد عثمان رضي الله عنه.[20] فمعنى الأحرف السبعة – عند عبد الصبور شاهين- ما يشمل اختلاف اللهجات، وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف السن، وتفاوت التعليم، وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير المعنى المراد.[21]

من هنا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك”. ومعلوم أنه من الصعب تكليف المؤمنين الذين جاءوا من مختلف الألسنة واللهجات لتلاوة القرآن بغير لهجته. فمن المعقول أن تنوع القراءت على سبيل الرخصة التي منحها الله للأمة المسلمة العربية المتعددة مستوياتها في النطق بالعربية.

ومع هذا كله، فإن بعض الشيعة أنكروا صحة الأحاديث المتعلقة بسبعة أحرف[22] لعدم الرواة من أهل البيت[23]، كما اعتقد أهل السنة أنه لا سبيل الآن إلى معرفة الأحرف الستة الباقية حيث التزموا القراءة بحرف قريش وتركوا القراءة بالأحرف الستة الباقية. من هنا، يمكننا أن نستنتج أن المذهبين – أهل السنة والشيعة – متفقان على صحة نص القرآن الموجود حاليا. إنما يقع الفرق في أن الشيعة تنكر بوجود الأحرف الباقية، بينما اعتقد أهل السنة بوجودها ولكن لا سبيل لنا إلى معرفتها الآن، وبعبارة أخرى أنها حدث تاريخي نعرفه عن طريق الأحاديث المتعلقة بإنزال القرآن على سبعة أحرف. في هذا الصدد فالشيء الذي يلفت نظرنا أن هناك ما يسمى بالقراءات السبع التي نقلت إلينا بالتواتر، ومع ذلك يوجد فيها تنوع القراءات. هل هناك علاقة بين مفهوم سبعة أحرف والقراءات السبع؟ وفيما يلي البحث على ذلك

الأحرف السبعة والقراءات السبع

قد يظن بعض الناس أن هذين المصطلحين  سواء، والحق أنهما مختلفان تمام الاختلاف. فالأول ظهر منذ الفترة المدنية أي في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما ظهر الثاني في القرن الثاني الهجري. وقال مكي بن أبي طالب :هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم قال: وأما من ظنّ أنّ قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً ا.هـ[24] ومعنى هذا أنّ الأحرف السبعة أعمّ من القراءات السبع المشهورة الآن.

أما  القراءات السبع لغة فمصدر  قرأ، واصطلاحا: مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء، مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها. هذا التعريف يعرّف القراءة من حيث نسبتها للإمام المقرئ كما ذكرنا من قبل، أما الأصل في القراءات فهو النقل بالإسناد المتواتر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمقرئ: هو العالم بالقراءات ، التي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم.

ضابط القراءة المقبولة

لقد ضبط علماء القراءات القراءة المقبولة بقاعدة مشهورة متفق عليها بينهم ،[25] وهي:

كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت رسم أحد المصاحف ولو احتمالا، وتواتر سندها، فهي القراءة الصحيحة. يتبين من هذا الضابط ثلاثة شروط هي:

الشرط الأول: موافقة العربية ولو بوجه[26]:

ومعنى هذا الشرط أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو، ولو كان مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، فلا يصح مثلا الاعتراض على قراءة حمزة. {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ} [النساء: 1] بجر الأرحام.

الشرط الثاني: موافقة خط أحد المصاحف ولو احتمالا:

هذا الشرط دليل على وجود الروايات المتعددة، فالرواية أسبق من الرسم، وإنما وضع الرسم علاجا لتكاثر الروايات وجموح بعضها إلى حد أدى إلى افتنان الجماعة المسلمة، إلا أن المسلمين أجمعوا على اعتبار الرسم أساسا تلتزمه الرواية. إن مشكلة الرسم في حقيقتها مشكلة مجموعة اللغات السامية بعامة، والعربية بخاصة. ذلك لأنها اعتمدت على الحروف الصامتة أكثر من اعتمادها على المصوتات.

فالنطق بكلمة من كلمات القرآن قد يوافق رسم المصحف تحقيقا إذا كان مطابقاً للمكتوب، وقد يوافقه احتمالاً أو تقديراً باعتبار ما عرفنا أن رسم المصحف له أصول خاصة تسمح بقراءته على أكثر من وجه. مثال ذلك: {ملك يوم الدين} رسمت {ملك} بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ: (ملك يوم الدين) بدون ألف فهو موافق للرسم تحقيقياً، ومن قرأ: {مالك} فهو موافق تقديراً، لحذف هذه الألف من الخط اختصاراً .

الشرط الثالث: تواتر السند: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وهذا هو الغالب في القراءات.

جـ- أنواع القراءات حسب أسانيدها

لقد قسم علماء القراءة القراءات بحسب أسانيدها إلى ستة أقسام:

الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند، وهذا النوع يشمل القراءات العشر المتواترات.

الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يخالف الرسم ولا اللغة واشتهر عند القراء: فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، وهذا لا تصح القراءة به، ولا يجوز رده، ولا يحل إنكاره.

الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا لا يجوز القراءة. مثل ما روى على (( رفارف حضر وعباقري حسان))، والصواب الذي عليه القراءة: {رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76].

الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده ولو وافق رسم المصحف والعربية، مثل قراءة : ((مَلَكَ يومَ الدين ))، بصيغة الماضي في ((ملك )) ونصب (( يوم )) مفعولاً.

الخامس: الموضوع: وهو المختلق المكذوب أو ما لا أصل له.

السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث، وهو ما زيد في القراءة على وجه التفسير. [27]

وهذه الأنواع الأربعة الأخيرة لا تحل القراءة بها، ومع ذلك فوجودها لا تنقص قداسة القرآن وإنما تدل على أن النص القرآني من شأنه أن يصيبه التحريف لأنه رويت عبر الأجيال الطويلة إلا أنه قد حظي برعاية كبيرة من الذين يتحفظونه. من هنا نفهم إشارة قول الله عز وجل : “انا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون”، حيث إن النصوص التي رويت بين جيل وآخر من طبيعتها أن يصيبها التحريف. كما أشارت هذه الآية -بضمير نحن الذي يفيد المتكلم مغ الغير- أن الله يحفظه وكذلك الملائكة والنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والحفاظ والمؤمنون بالقرآن جميعا.

د- القراءات المتواترة وقُرّاؤها:

من الضروري والطبيعي أن يشتهر في كل عصر جماعة من القراء، في كل طبقة من طبقات الأمة، يتفقون في حفظ القرآن، وإتقان ضبط أدائه والتفرغ لتعليمه، من عصر الصحابة، ثم التابعين، وأتباعهم وهكذا إلى يومنا هذا. ولقد تجرد قوم للقراءة والأخذ، واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية حتى صاروا في ذلك أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم، ويؤخذ عنهم. فكان بالمدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. وكان بمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن مُحَيْص. وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النَّجود الأسدي، وسليمان الأعمش، ثم حمزة بن حبيب، ثم الكِسائي أبو علي بن حمزة. وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، ثم عاصم الجحدري،ثم يعقوب الحضرمي. وكان بالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، ثم شريح بن زيد الحضرمي.

ثم جاء الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد المتوفى سنة ( 324هـ ) فأفرد القراءات السبع المعروفة، فدونها في كتابه: ” القراءات السبع” فاحتلت مكانتها في التدوين، وأصبح علمها مفرداً يقصدها طلاب القراءات. وقد بنى اختياره هذا على شروط عالية جداً، فلم يأخذ إلا عن الإمام الذي اشتهر بالضبط والأمانة، وطول العمر في ملازمة الإقراء، مع الاتفاق على الأخذ منه، والتلقي عنه ، فكان له من ذلك قراءات هؤلاء السبعة، وهم:

1- عبد الله بن كثير الداري المكي، (45-120 هـ).

2- عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (8-18 هـ).

3- عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي، المتوفى سنة (127هـ).

4- أبو عمرو بن العلاء البصري، (70-154 هـ).

5- حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، (8-156 هـ).

6-  نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، المتوفى سنة (169هـ).

7-  أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي، المتوفى سنة (189هـ).

من الجدير بالعلم أن القراءات أكثر من ذلك بكثير، لكن ابن مجاهد جمع هذه السبع لشروطه التي راعاها . وقد تابع العلماء البحث لتحديد القراءات المتواترة، حتى استقر الاعتماد العلمي، واشتهر على زيادة ثلاث قراءات أخرى ، أضيفت إلى السبع، فأصبح مجموع المتواتر من القراءات عشر قراءات ، وهذه القراءات الثلاث هي قراءات هؤلاء الأئمة:

8-  أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، المتوفى سنة (130هـ).

9-يعقوب بن اسحاق الحضرمي الكوفي، المتوفى سنة (205هـ).

10-. خلف بن هشام، المتوفى سنة (229 هـ).

اعتماد العرب على الرواية والمشافهة

لقد اعتمدت العرب على الحروف الصامتة أكثر من اعتمادها على المصوتات. وقد ترتب على ذلك أن اللغة العربية اكتفت بتسجيل الرموز الصوامت وترك الباقي من عناصر الكلمة المنطوقة لتقدير الناطق، يقدر له ما يلزم من المصوتات أو الحركات بحسب ما يمليه السياق، أي بناء على إحساسه وفهمه للمعنى المراد. لماذا ؟ ذلك لأن جل اعتمادهم على الرواية والمشافهة. لذلك، لم يوجهوا عنايتهم منذ البداية إلى تجويد الكتابة وإكمال رموزها لعدم إحساسهم بنقصها الناشئ من قلة معالجتهم لها واستعمالهم إياها.[28] فطالما كانت الرواية متواترة بأن نقلها جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند تأكدنا أنها خالية من التحريف حتى إذا كانت القراءة تختلف حسب الروايات بعضها عن البعض شيئا ما، لأن إثبات القرآنية إنما هو بالتواتر.

إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب[29]. ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي حرفا حرفا لم يهملوا منه حركة  ولا سكونا ولا إثباتا  ولا حذفا. وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه. كل ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم كثر القراء بعد هؤلاء وانتشروا في البلاد وتفرقوا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم، واختلفت صفاتهم، فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، فقام جهابذة علماء الأمة فبالغوا في الاجتهاد وجمعوا القراءات وميزوا بين المتواتر والمشهور والشاذ إلى غير ذلك بأصول أصلوها.[30]

أهمية الأحرف السبعة والقراءات

إن الأحرف السبعة والقراءات ظاهرة هامة جاء بها القرآن الكريم من نواح لغوية وعلمية متعددة، نوجز طائفة منها فيما يلي:

1- زيادة فوائد جديدة في تنزيل القرآن: ذلك أن تعدد التلاوة من قراءة إلى أخرى، ومن حرف لآخر قد تفيد معنى جديداً، مع الإيجاز بكون الآية واحدة.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، قرىء: {وأرجِلَكم} بالنصب عطفاً على المغسولات السابقة، فأفاد وجوب غسل القدمين في الوضوء، وقرىء بالجر، فقيل: هو جر على المجاورة، وقيل: هو بالجر لإفادة المسح على الخفين، وهو قول جيد.

2- إظهار فضيلة الأمة الإسلامية وقرآنها:

وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله، فإنما نزل بلسان واحد، وأنزل كتابنا بألسن سبعة بأيها قرأ القارىء كان تالياً لما أنزله الله تعالى.
إنهما ظاهرة هامة جاء بها القرآن الكريم من نواح لغوية وعلمية متعددة، نوجز طائفة منها فيما يلي:
زيادة فوائد جديدة في تنزيل القرآن: ذلك أن تعدد التلاوة من قراءة إلى أخرى، ومن حرف لآخر قد تفيد معنى جديداً، مع الإيجاز بكون الآية واحدة.  ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، قرىء: {وأرجِلَكم} بالنصب عطفاً على المغسولات السابقة، فأفاد وجوب غسل القدمين في الوضوء، وقرىء بالجر، فقيل: هو جر على المجاورة، وقيل: هو بالجر لإفادة المسح على الخفين، وهو قول جيد.
3- الإعجاز وإثبات الوحي:

فالقرآن الكريم كتاب هداية يحمل دعوتها إلى العالم، وهو كتاب إعجاز يتحدى ببيانه هذا العالم ، فبرهن بمعجزة بيانه عن حقية دعوته، ونزول القرآن بهذه الأحرف والقراءات تأكيد لهذا الإعجاز، والبرهان على أنه وحي السماء لهداية أهل الأرض من أوجه هذه الدلالة.

الخلاصة والاختتام

ينبغي لنا قبل الاختتام  استخلاص البحوث السابقة فيما يلي :

1-إن قضية الأحرف السبعة ليست قضية اتفق على وجودها جميع المذاهب الإسلامية، فالشيعة تنكر وجودها. وعلى فرض أنها موجودة في الواقع -كما تمسك بها أهل السنة- فإنها حدث تاريخي لا سبيل إلى معرفتها الآن حتى ترتب عليه ظهوراختلاف العلماء في المراد بها حول خمس وثلاثين أو أربعين قولا.

2- إن القراءة بأي حرف من الحروف السبعة – عند المذهب الذي اعتقد وجودها- إنما كانت في حدود ما نزل  به جبريل وما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.فليس هناك ما يفيد إباحة رواية القرآن بالمعنى.

3- إن القرآن في أول نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الوجود اللفظي(القراءة) بمعنى أنه ينطق أولا قبل أن يكتبه كتاب الوحي. وهناك نظام خاص في نقل القرآن من جيل إلى آخر في صورته اللفظية هو النقل من العالم بالقراءات التي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم  بالإسناد المتواتر.

4-الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور أكثر منه على حفظ المصاحف والكتب. ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي حرفا حرفا لم يهملوا منه حركة  ولا سكونا ولا إثباتا  ولا حذفا.

4-ليس بعيدا إذا فهمنا أن إنزال القرآن على سبعة أحرف نوع من أنواع الرخصة التي منحها الله للمؤمنين الذين تختلف ألسنتهم ولهجاتهم و تتفاوت أعمارهم حيث أدى ذلك إلى صعوبة النطق بوجه واحد. فيمكننا أن ندرك أن تنوع الأوجه في القراءة نوع من هذه الرخصة.

5-من الدروس المستفادة من نزول سبعة أحرف – عند معتقديها- أن دين الإسلام دين رحمة، ليس هناك تكليف النفس فوق وسعها، بصدد قراءة القرآن حسب إمكانية قارئيه التي تختلف ألسنتهم ولهجاتهم، وليس بصدد إباحة رواية القرآن بالمعنى.

هذا مدى ما فهمته عن إنزال القرأن على سبعة أحرف، لعل الله يهدينا إلى الحق  لأنه أعلم بالصواب

ثبت المراجع والمصادر

مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، منشورات العصر الحديث

محمد بن محمد أبو شهبة، المدخل لدراسة القرآن الكريم، بيروت دار الجيل, 1992،

موسى شاهين لاشين. اللآلئ الحسان في علوم القرآن، القاهرة: دار الشروق،

عبد الصبور شاهين، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، القاهرة: دار القلم، 1966

عبد الصبور شاهين، تاريخ القرآن، دار القلم ، 1966

ابن الجزري،أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي، النشر في القراءات العشر، بيروت: المكتبة العصرية، ط 1″ 2006

الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، عيسى البابي الحلبي وشركاه،بدون السنة

السيوطي،جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2004

http://www.4uarab.com/vb/showthread.php?t=49137

21 November 2007

http://forums.naseej.com/showthread.php?p=921413,

3Desember 2008


[1] عبد الصبور شاهين، تاريخ القرآن، دار القلم ، 1966، ص 85

[2] الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، عيسى البابي الحلبي وشركاه،بدون السنة،  ص 240

[3] الزرقاني، نفس المصدر، ص 241

[4] مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، منشورات العصر الحديث، ص 123

[5] اقرأ: مناع القطان، نفس المصدر، ص 126

[6] الزرقاني، نفس المصدر، 250-251

[7] http://www.4uarab.com/vb/showthread.php?t=49137

21 November 2007

[8] مناع قطان، نفس المصدر، ص 130

[9] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2004 ، ص 94

[10] اقرأ: الزرقاني، نفس المصدر، ص 260-261

[11] السيوطي، نفس المصدر، ص 93

[12] محمد بن محمد أبو شهبة، المدخل لدراسة القرآن الكريم، بيروت دار الجيل, 1992، ص 159. قاله ابن سعدان النحوي ، اقرأ :السيوطي،نفس المصدر ، ص 72

[13]http://forums.naseej.com/showthread.php?p=921413,

3Desember 2008

[14] السيوطي، نفس المصدر، ص 72 – 73

[15] السيوطي، نفس المصدر، ص 74

[16] مناع القطان، نفس المصدر، ص 156 – 157، واقرأ: محمد بن محمد أبو شهبة، المدخل لدراسة القرآن الكريم، بيروت دار الجيل, 1992، ص 154

[17]مناع القطان، نفس المصدر، ص 154

[18] عبد الصبور شاهين، نفس المصدر، ص 25-26

[19] أبو شهبة، نفس المصدر، ص 154

[20] عبد الصبور شاهين، نفس المصدر، ص 42

[21] نفس المصدر، ص 43

[22] عبد الصبور شاهين، نفس المصدر، ص 23 . وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبد الله عليه السلام فقال : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ” كذبوا – أعداء الله – ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد ” عن أبي جعفر عليه السلام قال : ” إن القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة “.

[23] عبد الصبور شاهين، نفس المصدر، ص 29

[24] موسى شاهين لاشين. اللآلئ الحسان في علوم القرآن، القاهرة: دار الشروق، ص 116

[25] راجع: مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، منشورات العصر الحديث، ص 176 – 179

[26] ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيروت: المكتبة العصرية، ط 1″ 2006، ص15

[27] مناع القطان، نفس المصدر، ص178

[28] اقرأ:  عبد الصبور شاهين، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، القاهرة: دار القلم، 1966،  ص 258-260

[29] هذا لا يعني أن الكتابة ليست لها أهميتها في نقل القرآن وحفظه، خصوصا  أن الكتابة قد لا تفي تنوع القراءات المختلفة لا سيما أن الحروف العربية وقتئذ بدون علامات القراءة الكاملة، إنما يعني أن حفظ القرآن في القلوب والصدور- من أمة معروفة بقوة الذاكرة الفذة – له دور كبير جدا في دقة النقل.

[30] ابن الجزري، نفس المصدر، ص 13-15

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s

%d blogger menyukai ini: